
مُخطئ من يظن أن نتيجة الهجمات الإسرائيلية على البرنامج النووي الإيراني، قد تظهر بين ليلة وضحاها، بل ستستغرق سنوات لتتضح لنا حقيقة ما جرى. فالواقعية تقودنا إلى التالي: الضربات التي حصلت وما زالت قائمة، قد تمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية أو تدفعها لتسريع صنعها. كما إنه من غير المستبعد أن تزعزع استقرار النظام الإيراني أو تعزز سيطرته وقوته.
إسرائيل وحقيقة مشكلة إيران
عملياً، لم يكن النقاش الأساسي في إسرائيل يدور قط حول كيفية التعامل مع البرنامج النووي الإيراني، بل كانت المعضلة الكبرى تتعلق دائماً بالنظام نفسه. بالنسبة لبعض السياسيين والقيادات الأمنية والعسكرية في كل من تل أبيب وواشنطن، يُمثّل البرنامج النووي بحد ذاته مشكلة أمنية. فهم لا يريدون لإيران امتلاك أسلحة نووية.
بالمقابل، يرى آخرون أن الأزمة تكمن في وجود الجمهورية الإسلامية، التي يعتقدون أنها لا تريد تغيير سياستها الخارجية التوسعية، وتجهد لصنع أسلحة لتدمير إسرائيل، لا لردعها. والأسوأ أن هؤلاء يعتبرون أي حل دبلوماسي هو سلام زائف لا يعزز إلا قوة إيران.
وانطلاقاً من هذه النقطة، لم يكن واضحاً أكثر من اليوم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ينتمي إلى المعسكر الأخير. فهذه الضربات لم تكن موجهة أساساً إلى المنشآت النووية، بل إلى كبار القادة الإيرانيين. فإسرائيل لا تحاول تعطيل أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، بقدر ما تسعى وتعمل بكل قوة على شلّ النظام الديني.
ضع في الاعتبار أن أحد أسباب معارضة العديد من الإسرائيليين المتشددين ومؤيديهم في واشنطن للاتفاق النووي، هو احتمال نجاحه. فحل القضية النووية كان سيرفع بعض العقوبات عن النظام، وهذا سيعطيه دفعا مع حلفائه لاستعادة قوتهم ونفوذهم في المنطقة
لذا، فالهجوم على إيران لا يتعلق بالتهديد النووي، إنما باستغلال هذا التهديد لتبرير محاولة إسقاط النظام. وقد أقرّ نتنياهو بذلك، قائلًا للإيرانيين: “معركتنا هي مع الديكتاتورية الوحشية التي قمعتكم لمدة 46 عامًا. أعتقد أن يوم تحريركم قريب”.
نتنياهو والنووي الواجهة
في الحقيقة، كانت القضية النووية مجرد واجهة شكلية لمخطط نتنياهو لضرب إيران. لذا فإن هدف خطابه الأخير الذي قال فيه: “إيران أنتجت ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع تسع قنابل ذرية”، هو تسويق خطواته الحربية أمام المجتمع الدولي.
لكن مهلاً، فمجلة “فورين بوليسي” الأميركية الذائعة الصيت، دحضت هذه الادعاءات بالمطلق، مستندة إلى أحدث تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يؤكد أن إيران لم تُخصّب اليورانيوم فوق 60% من اليورانيوم-235 وهو يُعدّ من العناصر الأساسية في صناعة الطاقة النووية والأسلحة النووية.
وتضيف المجلة: “أما اليورانيوم المُخصّب للاستخدام في الأسلحة، فهو 90%”. وتتابع المجلة تفنيد مزاعم نتنياهو الذي قال: “في الأشهر الأخيرة، تتخذ إيران خطوات… لتحويل هذا اليورانيوم المُخصّب إلى أسلحة، لترجّح أن هذه الادعاءات غير صحيحة أيضاً، بالاستناد إلى تصريح لوكالة استخبارات الدفاع الأميركية، في أيار/مايو الماضي، تشير فيه إلى أن “كبار قادة إيران ربما لم يُقرروا استئناف برنامج الأسلحة النووية الذي كان قائماً قبل عام 2003، ولكن منذ نيسان/أبريل 2025، هدّد المسؤولون الإيرانيون بإعادة النظر في عقيدتهم النووية في حال تعرّضت منشآتهم النووية للهجوم”.
إمكانية صنع القنبلة النووية
من الناحية التقنية، من المستحيل منع دولة من تطوير قنبلة نووية بشكل دائم، إلا عبر ضربات عسكرية فتاكة وساحقة. والا ستتمكن طهران في نهاية المطاف، من إعادة بناء برنامجها، لا سيما إذا كانت القيادة المستهدفة مصمّمة حقاً على امتلاك السلاح.
وبناء على ذلك، لا تستطيع إسرائيل بالقوة وحدها أن تزيل إرادة إيران في امتلاك القنبلة. حتى إن نجحت إسرائيل في إلحاق أضرار جسيمة بموقعي “نطنز” و”فوردو” — وهو أمر غير محسوم، خصوصاً بالنظر إلى التحصينات الشديدة لموقع فوردو — فهي لن تتمكن من منع إيران من إعادة بناء ما تم تدميره، إلا إذا تدخلت أميركا بكامل قوتها غير تقليدية.
وتعليقاً على ذلك، قال مستشار الأمن القومي لنتنياهو، تساحي هنغبي، مؤخراً في لقاء مع القناة 12 العبرية: “لا يمكنك تدمير الإرادة في التعافي ومواصلة السعي نحو هدف تدمير إسرائيل باستخدام القنابل، فقط ترامب يستطيع أن يأتي بصفقة جيدة”.
وبناء على ذلك، هناك ثلاثة سيناريوهات لاختبار أثر الضربات الإسرائيلية على البرنامج النووي الإيراني:
الأول: صحة الفرضية بأن ضربة تل ابيب تزيد من إرادة إيران في امتلاك القنبلة النووية. وهذا ما حدث بعد الضربة الإسرائيلية عام 1981 لمفاعل أوسيراك النووي العراقي، التي دفعت صدام حسين آنذاك لمضاعفة جهوده لتطوير برنامجه النووي.
الثاني: أن يكون لدى إسرائيل خططاً أكبر مما نراه حالياً. بحيث تستهدف المنشآت النووية بشدة في الايام المقبلة، وبفاعلية اكثر تفوق تصورات الكثير من الخبراء والباحثين، خصوصاً إن حصل ودخلت أميركا الحرب إلى جانب تل أبيب. هنا ربما تُلحق الهجمات الإسرائيلية ــ الأميركية، أضراراً كبيرة جداً بالمواقع النووية الإيرانية بحيث تحسب طهران حينها حساباتها، بأن كلفة إعادة البناء لن تكون مجدية أو مفيدة بسبب المخاطر الكبيرة.
الثالث: أن تتعرض المواقع النووية الإيرانية لأضرار أقل مما يتوقعه الناس، وتتمكن إيران بالتالي، من بناء القنبلة بسرعة قبل أن تقدر إسرائيل على وقفها.
الجدير بالذكر، أن كين بولاك، نائب رئيس معهد الشرق الأوسط للسياسات، كتب في مجلة الشؤون الخارجية قائلاً: “تمتلك إيران بالفعل ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع عدة أسلحة نووية. وهو مُخزّن في حاويات في ثلاثة مواقع مختلفة، وليس من الواضح ما إذا كانت إسرائيل ستتمكن من الحصول عليه بالكامل في الضربات العسكرية الجارية”. وأضاف: “قد تواجه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والغربية الأخرى صعوبة بالغة في العثور على مواقع نووية إيرانية سرية جديدة. وقد تواجه أيضاً مصاعب في تدمير تلك المواقع حتى لو تم تحديدها، إذ من المرجح أن تكون إيران عززت تحصينها بشكل يفوق منشآتها الحالية”.
في المحصلة، بعد كل ما حصل، سيجلس داخل إيران حول الطاولة وجوه جديدة كثيرة. وسيراقب الجميع ما حدث لأولئك الذين لم يعودوا موجودين، وسيطرحون على أنفسهم السؤال: هل كانت إسرائيل لتكون بهذه الجرأة لو كان لإيران أسلحة نووية، أم لو لم تكن؟
موقع بلدتي

