
كتب الدكتور علي. دربج
في زمن السلم، تُستخدم الصورة لكشف الحقيقة، أمّا في زمن الحرب فقد تتحوّل — إن أسيء استخدامها — إلى دليلٍ مباشر بين يدي العدو الاسرائيلي. هنا لا يعود الحديث عن ممارسة إعلامية عادية، بل عن سلوك قد يساهم، دون قصد، في توجيه الضربات وتحديد الأهداف بدقّة.
إن أخطر ما في التصوير العشوائي لمشاهد الدمار والبنى التحتية، ليس فقط نشر صورة، بل ما تحمله هذه الصورة من تفاصيل: موقع، زاوية، طريق، مسار بديل، أو حتى ملاحظة عابرة. هذه التفاصيل، التي قد تبدو غير ذات قيمة للصحافي أو المواطن، تتحوّل في غرف التحليل الاستخباراتي إلى معطيات حيّة تُبنى عليها قرارات عسكرية.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا مفتوحًا للمعلومات، بل كنزًا استخباراتيًا جاهزًا للاستخدام باعتراف اسرائيل نفسها. فالصورة التي تُنشر بدافع السبق الصحفي أو البحث عن الانتشار، قد تُختصر وظيفتها الحقيقية في كونها «تقريرًا ميدانيًا مجانيًا» يقدَّم للعدو دون أي تكلفة.
النموذج الصارخ يبقى ما حصل في جسر القاسمية، حيث لم يكن الخطر في تصوير الدمار بحد ذاته، بل في شرح ما خلفه هذا الدمار. حين يُقال إن طريقًا ما زالت صالحة للعبور، فإن هذه الجملة لم تعد توصيفًا صحفيًا، بل تحوّلت إلى إحداثية عملياتية. والنتيجة كانت واضحة: استهداف إضافي حتى تعطّلت إمكانية العبور بالكامل.
هنا يجب أن نطرح السؤال بصرامة: ما قيمة السبق الصحفي إذا كان ثمنه إلحاق ضرر إضافي بالمجتمع؟ وما معنى الشهرة إذا تحوّلت إلى مساهمة غير مباشرة في توسيع دائرة الاستهداف؟
في الحروب، لا تُقاس المهنية بسرعة النشر، بل بقدرة الصحافي على ضبط ما يجب عدم نشره. فالمسؤولية لا تُلغي الحرية، لكنها تعيد تعريفها ضمن سياق استثنائي، حيث تصبح حماية الناس أولوية مطلقة. وأتحدث هنا تحديدًا عن المراسلين والمصورين الشباب الذين يفتقرون إلى الخبرة المهنية، والذين أوفدتهم القنوات والمحطات بهدف التوفير المادي والبحث عن السرعة، إذ يتحوّل نقص الخبرة، في بيئةٍ بالغة الحساسية، إلى عامل خطر إضافي لا يقلّ خطورة عن أي خطأ تقني أو ميداني.
في المقابل، تعتمد دول أخرى — وعلى رأسها إسرائيل الارهابية — سياسات صارمة تمنع تصوير مواقع الدمار أو نشر أي معلومات قد تُستغل عسكريًا. بل إنها لم تكتفِ بالمنع القانوني، بل أنشأت شبكات من المستوطنين لملاحقة أي خرقٍ في هذا المجال. لماذا؟ لأنهم يدركون أن المعلومة في زمن الحرب قد تساوي حياة أو موتًا.
الأمر ذاته ينطبق على الجيوش الغربية، حيث تخضع وسائل الإعلام لرقابة عسكرية دقيقة، فلا يُنشر خبر أو صورة إلا بعد مراجعة الرقيب. ليس ذلك قمعًا للحرية، بل حماية للمجتمع. فهناك وعيٌ عميق بأن الحرية الإعلامية، إن لم تُضبط بضوابط المسؤولية، قد تتحوّل إلى سلاحٍ يرتدّ على أصحابه..
إن الصحافة، قبل أن تكون مهنة، هي رسالة. وهذه الرسالة تفرض على المؤسسات الإعلامية أن تعيد النظر جذريًا في آليات عملها خلال الحروب، وأن تعمل على تدريب الصحافيين تدريبًا مهنيًا صارمًا قبل إرسالهم إلى الميدان، بحيث يدركون القواعد الاستثنائية التي تحكم العمل الإعلامي في ظروف النزاع. فالميدان ليس مساحة للارتجال، بل بيئة عالية الحساسية، قد تكون فيها الكلمة أو الصورة الفاصلة بين حماية الناس وتعريضهم للخطر.
ولا تقتصر المسؤولية على الإعلاميين وحدهم، بل تمتد إلى بعض المواطنين الذين يندفعون، بحسن نية أو بدافع الحنين، إلى نشر صور بلداتهم وقراهم ومدنهم، بهدف إثارة العواطف أو تحصيل بعض التفاعل. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يستحق بضع إعجابات أن نعرّض الآخرين للخطر؟ أي منطق هذا الذي يضع «اللايك» في كفّة، وسلامة الناس في كفّة أخرى؟
الخلاصة الصارمة والواضحة:
في زمن الحرب، ليست كل صورة بريئة.
وقد تتحوّل العدسة — من دون وعي — إلى دليلٍ للعدو
موقع بلدتي

