كتب د .علي دربج
رغم أنّي نازح… وجدتُ جدارًا أستند إليه، وسقفًا يحميني من السماء…
وأنت؟
أيّ سقفٍ لك… سوى سماءٍ مفتوحة على النار؟
أنا أبتعد حين تشتدّ الأصوات…
وأنت تقترب.
أنا أبحث عن الصمت…
وأنت تقف في قلب الضجيج، حيث الصواريخ لا تُحصى،
والقذائف تنهمر من البرّ والبحر والسماء كالمطر.
أخبرني…
حين يهاجمك الخوف، هل يجد فيك مكانًا؟
أم أنك تعلّمت كيف تطرده كما تُطرد الغزاة؟
حين تكون وحدك…
والأعداد عليك بالمئات…
كيف تثبّت قدميك؟
كيف لا تنكسر؟
كيف يبقى قلبك نابضًا كأن خلفك وطنًا كاملًا… لا مجرد موقع؟
أخبرني…
أنا آكل حين أجوع، وأبحث عمّا يسدّ الرمق…
وأنت؟
هل تأكل على عجل بين دويّين؟
أم تؤجّل الجوع كما تؤجّل التعب؟
أنا أنام حين أثقلني النهار…
وأنت؟
هل يغمض لك جفن وسط هذا الليل المفتوح على النار؟
أم أن نومك صار ومضةً خاطفة بين خطرين؟
أنا أهرب من الموت…
وأنت تقتحمه.
أنا أبتعد عنه خطوةً خطوة…
وأنت تمشي إليه بثباتٍ، كأنك تعبر إليه لا تهرب منه.
وماذا عن بيتك…
عن أهلك…
عن أولادٍ قد ينتظرونك، أو أمٍ تفتح الباب كل مساء؟
هل تمرّ صورهم أمامك حين تهدأ الجبهات للحظة؟
أم أنك تعلّمت كيف تُخفي الشوق… كي لا يكسرك؟
وأخبرني أيضًا…
كيف تصمد… حين تُخذَل؟
حين تضيق بك الأرض، لا من عدوّك… بل ممّن يُفترض أن يكون ظهرك؟
كيف تحتمل أن تُدان… أو تُتَّهَم… أو تُجرَّم…
وأنت الذي تقف لتحمي ما تبقّى من هذا الوطن؟
أنا أبحث عن الأمان…
وأنت تصنعه.
أنا أرتجف من فكرة الفقد…
وأنت تمشي بينه كل يوم.
كيف تحمل هذا الثقل كلّه…
ولا تميل؟
كيف ترى رفاقك يسقطون…
وتبقى واقفًا؟
كيف تصمد…
ولا تتعب من الصمود؟
أيّ قلبٍ هذا الذي يسكنك؟
وأيّ يقينٍ يجعلك تقف…
حيث لا يقف أحد؟
سلامٌ عليك…
يا من جعلتَ من صدرك جدارًا، ومن خطاكَ طريقًا، ومن خوفنا أمانًا.
سلامٌ عليك…
يا من تكتب بثباتك ما تعجز عنه الخطب، وتقول بصمودك ما لا تقوله الكلمات.
لك منّا تحيةٌ لا تشبه سواها…
تحيةُ قلبٍ يعرف أنه لولاك لمالت الموازين،
وتحيةُ وطنٍ يقف على أكتافك، حتى حين يُنكر بعضه ذلك.
سلامٌ عليك…
بعدد ما سقط من نارٍ ولم تُطفئك،
وبعدد ما واجهتَ من موتٍ ولم يُخِفك،
وبعدد ما صمدتَ… حين لم يبقَ في الصمود أحد.
موقع بلدتي

