
حين تعجز الأرض عن احتوائهما… يصبحان سماءً: هادي ومهدي شهيدان
كتب د علي دربج
في العبّاسية اليوم… لم تُفتح الأبواب على صباحٍ عادي.
كان الصباح أثقل من الضوء، وأصدق من الدموع، وأعلى من الكلمات.
هادي درويش…
ومهدي بيضون…
اسمان لم يعودا مجرّد اسمين، بل صارا نَبضَ بلدةٍ كاملة، وصدى وطنٍ لا يهدأ.
لم يكونا عابرين في هذه الحياة…
كانا مشروع حياةٍ كاملة.
هادي، مهندس الكهرباء، الذي كان يزرع النور في الأسلاك، فإذا به يزرعه في القلوب.
ومهدي، مجاز بالمكانيك، الذي كان يفهم حركة الحديد، فإذا به يفهم حركة الكرامة حين تنهض.
كانا يشبهان الحياة… لا يهربان منها.
يحبّانها، يركضان فيها، يضحكان لها، ويخططان لأيامٍ أطول وأوسع.
لم يكونا طلاب موت… بل عشّاق حياةٍ نظيفة، صافية، تشبه العبّاسية حين تغتسل بالشمس.
ومع ذلك…
حين نادت الكرامة، لم يتردّدا.
لم يساوما.
لم يقفا عند مفترق الطرق طويلًا.
تركا ما يُغري بالبقاء…
تركا راحة الممكن…
تركا مستقبلًا كان يُفتح لهما بالأبواب الواسعة، لا بالأحلام فقط.
كان بإمكانهما أن يعيشا حياةً مريحة، أن يكبرا في مهنهما، أن يبتعدا…
لكنّهما اختارا أن يقتربا… أكثر… حتى حدود النار.
لم يتركا البلدة…
بل حملا البلدة معهما.
حَمَلا شوارعها، حجارتها، ناسها، ضحكاتها، ووجوه أمهاتها…
ومضيا.
هناك، حيث تُختبر المعاني الكبرى،
لم يكونا رقمين…
كانا معنى.
معنى أن الإنسان حين يُدعى لشيءٍ أكبر من نفسه،
يصبح أكبر من نفسه.
هادي… الذي كان يضيء الطرقات… صار ضوءًا لا ينطفئ.
ومهدي… الذي كان يضبط إيقاع الآلات… صار إيقاعًا لنبضٍ لن يسكت.
ومهدي… لم يكن فقط صاحب مهنة، بل صاحب قلبٍ مفتوح على الناس.
خلوقٌ، خدومٌ، قريبٌ من الجميع…
يحمل همّ الآخرين كما يحمل اسمه.
وله ابنٌ وحيد، مريض، من ذوي الاحتياجات الخاصة…
كان يطوف به من طبيبٍ إلى آخر، لا يملّ، ولا يشتكي، ولا يتراجع.
كان أبًا على قدر الألم… ورجلًا على قدر الرحمة.
اليوم، لا تبكي العبّاسية فقط…
اليوم، العبّاسية تُعيد تعريف نفسها.
من قال إن الشهادة نهاية؟
هي بداية الحكاية حين تعجز اللغة عن وصفها.
رحل شابان…
لكنّهما تركا خلفهما ما لا يُرحل:
كرامة تُرى،
ومعنى يُلمس،
وسيرة تُقال لا ككلمات… بل كحالة.
أيّها الراحلان…
كنتما أكبر من العمر…
وأوسع من الحياة…
وأصدق من كل ما يُقال.
وإن ضاقت الكلمات اليوم…
فلأنكما وسّعتما المعنى إلى حدٍّ لا يُحاط.
سلامٌ عليكما…
يوم كنتما حلمًا يمشي على الأرض،
ويوم صرتما ذاكرةً لا تنطفئ،
ويوم يكتشف الناس، مرارًا،
أن بعض الرحيل… ولادة.
أما التعزية… فليست كلماتٍ تُقال، بل وعدٌ يُحمل:
من “صوت العبّاسية”…
لا نعزّيكم فقط، بل نقف معكم في قلب الفاجعة، كما نقف في قلب الكرامة.
نعزّي الأمهات اللواتي لم يُربّين أبناءً… بل ربّين معنى.
نعزّي الآباء الذين لم يفقدوا أبناءهم… بل قدّموا ما يُقاس به الرجال.
ونقول للبلدة كلّها:
لسنا أمام خسارةٍ تُحصر بالبكاء…
بل أمام حكايةٍ تُكتب بالوجع، لتبقى أعلى من النسيان.
“صوت العبّاسية” لا يكتب اليوم خبرًا…
بل يحفظ ذاكرة.
لا ينشر نعيًا…
بل يرفع سيرة.
تعازينا التي لا تُطفئ الحزن…
لكنها ترفض أن يكون هذا الحزن عابرًا.
موقع بلدتي

