
في إطار المتابعة الدورية لأوضاع أهلنا في الجنوب وتثبيت مقومات صمودهم، استقبل مسؤول منطقة جبل عامل الأولى في حزب الله، الحاج عبد الله ناصر، وفداً ضم رؤساء بلديات ومختارين وعلماء دين وشخصيات قيادية من “قرى الشعب” الحدودية (يارين، الضهيرة، مروحين، الزلوطية، أم التوت، البستان، وعلما الشعب)، بحضور ممثلين عن ملف السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
استعرض اللقاء الواقع الميداني والضرورات الإنسانية والإنمائية الملحة للقرى التي تعرضت للعدوان والتهجير والتدمير الممنهج. وألقى الحاج ناصر كلمةً قارب فيها المستجدات المحلية والإقليمية من منظور فكري وسياسي شامل، مستعرضاً الأبعاد الاستراتيجية للصراع ومسؤولية الحزب الإنمائية والوطنية.
وأشار الحاج ناصر إلى أن الكيان الصهيوني يمثل، بوجوده ووظيفته التاريخية، تهديداً وجودياً للبنان ورسالته. في المقابل، تُسهم السلطة الراضخة للإملاءات والارتهان الخارجي، عبر افتعال الأزمات الداخلية، في تقويض مقومات بقاء الدولة والوطن. وأكد أن المحطة التاريخية الراهنة تتطلب وعياً استراتيجياً وقراءة واقعية لموازين القوى، مشدداً على أن خيار المواجهة حاسم ولا يحتمل التنازل أو الاستسلام للعدو وأدواته، وقال: “إن خيار التصدّي الذي سلكناه لم يكن رفاهيةً سياسية ولا مناورة تكتيكية، بل هو عقيدة جيو-سياسية وقناعة راسخة كفلتها التضحيات. لقد احتضنّا القضية الفلسطينية ودفعنا ثمن هذا الخيار التاريخي تضحيات كبيرة من مجازر وتدمير ونزوح، وهو مسارٌ مستمر لا رجعة عنه”.
ولفت ناصر إلى العطب التاريخي لدى بعض القوى المحلية التي ما زالت تراهن على العدو وتتماهى مع مشروعه، مؤكداً أن التاريخ أثبت عقم هذا الرهان، فنحن نعلم يقيناً أن من ساهم في تقوية العدو وشاركه جريمته التاريخية في لبنان لن يكون يوماً في موقع الدفاع عن السيادة. هذه الفئة المأزومة لم تقرأ التحولات التاريخية، وما زالت أسيرة خياراتها التي تجلت في مجازر يارين عام 1977 والاعتداءات على القرى الجنوبية كـ”الطيري” وغيرها. إنها ذات القناعات العدائية تجاه القضية الفلسطينية وكل من يحمل السلاح دفاعاً عن الأرض والكرامة.
وحول الإشكالية المصطنعة حول “حصرية السلاح” والشرعية، سرد ناصر المحطات التاريخية لتخلي الدولة عن وظيفتها الدفاعية: “منذ نشأة الكيان المتاخم لحدودنا، جُرّدت الدولة اللبنانية بقرار سياسي من مقومات بناء جيش عقائدي قوي، ووُضِعت المنطقة الحدودية خارج حسابات الدفاع الوطني، مما فرض على المجتمع الجنوبي ممارسة حقه الطبيعي والوجودي في الدفاع عن النفس. إن الفعل المقاوم كان دوماً ردّ فعل استراتيجياً على الاعتداءات والاغتيالات والاحتلال، ولم نكن يوماً هواة حرب أو شهادة، بل أصحاب حق قضت الظروف القاهرة بغياب البديل الضامن له. نحن نؤيد بكل وضوح معادلة ‘السلاح الواحد’ الموجه حصراً ونحو العدو الاحتلالي، وتحت مظلة دولة قادرة وجيش ممتلك لقرار المواجهة. لكن طالما أن القرار الخارجي يمنع المؤسسة العسكرية من امتلاك عناصر القوة الدفاعية، يبقى خيار الشعوب والمقاومة هو الحصن المتبقي لحماية السيادة.”
وفي إطار قراءته للمسار السياسي، قارن ناصر بين تفاوض عام 2024 والإطار التفاوضي الراهن، مؤكداً رفض الإذعان أو التفاوض من موقع الضعف: “لقد قبلنا بآلية التفاوض غير المباشر عام 2024 لأنها كفلت انسحاب العدو ومنعت اعتداءاته وفرضت معادلة الندية التي سارع الخصم لخرقها. واليوم، نرفض أي مسار يبتغي فرض شروط الإذعان أو النيل من المكتسبات الوطنية. إن أي تفاوض غير مباشر يجب أن يستند إلى مصادر القوة الوطنية المتمثلة في المقاومة، والتلاحم الشعبي، والأبعاد الاستراتيجية لمحيطنا العربي والإسلامي.”
وعلى صعيد الملفات الاجتماعية والإنمائية، أعلن ناصر إقرار حزب الله خطة متكاملة لملف الإيواء والتعويضات تشمل جميع المتضررين من العدوان (تدمير كلي، أضرار إنشائية، ونزوح) سواء داخل المنطقة المحتلة أو خارجها.
وختم بالدعوة إلى استعادة الدولة المفقودة: “إن تقديم الخدمات والوقوف إلى جانب أهلنا هو واجب أخلاقي لا يعفي الدولة من مسؤولياتها القانونية والتنموية، خصوصاً في لحظات الأزمات الكبرى. إن حضور الدولة لا يُختزل بالانتشار العسكري للجيش الذي نرحب به ونعتبره جزءاً أصيلاً من المعادلة، بل يتجسد بالعودة الشاملة لمؤسساتها الخدمية والإنمائية والوزارات المعنية للوقوف على حاجات المواطنين وتأمين مقومات مقدرتهم على الصمود والاستقرار.”

موقع بلدتي


