
شهداء مجزرة العبّاسية… دمٌ صدريٌّ لا يُهزم
كتب الدكتور علي دربج
ملاحظة: هذه عائلة المرحوم خالي محمد علي فواز، استشهدوا فجر اليوم وهم نيام، بعدما استهدفت غارة ارهابية منزلهم في العبّاسية.
في العبّاسية، لا يمرّ التاريخ مرورًا عاديًا…
بل يَكْتُبُ نفسه بالدم، ويُوقِّعُهُ بالأسماء، ويتركه شاهدًا على أن هذه الأرض لا تُجيد إلا لغة الفداء.
من آذار 1978…
حين داس الاحتلال على الحجر والبشر، واعتقد أن البلدة انتهت…
إلى 9 نيسان 2026…
حين استفاقت العبّاسية على مجزرةٍ جديدة، كأنها موعدٌ مؤجّل مع الدم، لا يُلغى ولا يُؤجَّل…
سبعة شهداء…
ليسوا أرقامًا في نشرة، بل سبعة قناديل انطفأت هنا… لتُضيء هناك، حيث لا وجع ولا فراق… حيث الجِنان.
سوسن…
يا أمّ العجزة قبل أن تكوني ابنة العبّاسية…
يا مَن كنتِ تمسحين تعب السنين عن وجوه المسنّين، وتزرعين فيهم بقايا الأمل…
كم حرب مرّت، وكم نار اشتعلت، وأنتِ تأبين إلا أن تبقي قربهم…
لم تتركيهم… فاختاركِ الله لتكوني أنتِ الأمان الأخير…
فمضيتِ، وكأنكِ تقولين: “من خدمَ الناس، خدمه الله بالشهادة”.
كانت تتعب ولا تُظهر تعبها…
وتُخفي وجعها خلف ابتسامةٍ لا تفارق وجهها…
ابتسامةٌ كانت أدفأ من كلّ ما حولها… وأصدق من كلّ الكلام…
كأنها كانت تعرف أن رسالتها تُؤدّى بصمت… وأن الرحيل سيكون أيضًا بصمتٍ يشبهها.
عناية…
لم تكن اسمًا عابرًا… بل سيرة تُروى بالفعل قبل القول…
موظّفة في البلدية، لكنّها كانت أكبر من وظيفة… كانت ميزانًا يُقاس به الصدق…
نقيّة كالصلاة الأولى، ثابتة كالعهد الذي لا يُنكث…
منذ طفولتها، تشربت خطّ الإمام موسى الصدر ، فحوّلت كلماته إلى نهجٍ يُعاش لا يُقال…
حين عُرضت عليها المناصب، أدارت وجهها عنها… لا زهدًا بها فقط، بل خوفًا من أن تخسر صفاءها أمام الله…
كانت تمشي بين الناس بخفّة النور، تزرع الطمأنينة دون ضجيج، وتفعل الخير كأنّه أمرٌ بديهي…
في كشافة الرسالة، لم تكن مجرّد مشاركة… بل كانت روحًا تُربّي، وقدوةً تُحتذى، وأثرًا يبقى…
عاشت كما يجب أن يعيش الصادقون… ورحلت كما يرحل الكبار: بصمتٍ يزلزل القلوب.
فاطمة…
يا ضحكةً كانت تملأ الأزقّة…
يا قلبًا لا يعرف إلا الحنان…
كيف لبلدةٍ أن تُكمل يومها، وقد غاب عنها هذا الفرح؟
كيف للضحكة أن تعود، وقد رحلتِ أنتِ؟
ليلى نصر الله… “لولو”…
يا من كانت العبّاسية تستيقظ على رائحة خبزكِ…
على دفء يديكِ، وعلى منقوشة الزعتر التي كانت تُشبهكِ: بسيطة، طيّبة، لا تُنسى…
يتيمةٌ… لكن كل البيوت كانت بيتكِ…
لم تحملي حقدًا، بل حملتِ حبًا يكفي البلدة كلّها…
من الفرن إلى المستوصف، ومن التعب إلى كربلاء…
كنتِ تتركين الدنيا كلّها، وتهرعين إلى الإمام الحسين عليه السلام، تخدمين زوّاره…
كأنكِ كنتِ تعرفين أن لكِ موعدًا قريبًا معه…
فسبقتِ الجميع.
حسين شعلان…
فتح عينيه على قسوة الحياة، فاختار أن يواجهها بيديه…
في الرخام، كان يثقل الحجر… لكن قلبه بقي خفيفًا كالدعاء…
يصنع من الصخر لوحات جمال، كأنّه يُعيد ترتيب هذا العالم القاسي بيديه…
كادٌّ… مجاهدٌ… من أجل عياله…
صدريّ الانتماء، من كشافة الرسالة، حمل الأخلاق كما يحمل الرخام: بثباتٍ وصبر…
لم يرفع صوته يومًا في وجه أحد…
لم يعادِ أحدًا…
كان طيّب القلب، واسع المحبّة، عاش للعبّاسية…
وهكذا… يرحل الكبار.
مريم شعلان…
يا زهرة العلم التي لم تُمهلها الحياة لتُكمل ربيعها…
ستفتقدكِ متوسطة العبّاسية… ومعلموها قبل طلابها…
والملعب سيبقى حزينًا، كأنّه ينتظر خطواتكِ التي لن تعود…
مقعدكِ سيبقى شاهدًا عليكِ… فارغًا، لكنّه ممتلئ بحضوركِ…
دفاتركِ ستبقى مفتوحة، كأنّها لم تُنهِ حكايتكِ بعد…
والجرس حين يرنّ، لن يكون كما كان… لأن اسمكِ لم يعد يُنادى…
كنتِ حلمًا يكبر كلّ يوم… ووردةً لم يُمهلها الزمن لتكتمل.
حوراء حريري…
براءةٌ كانت تمشي على الأرض…
نقاءٌ لا يشبه هذا العالم القاسي…
رحلتِ بسرعة، لأن هذا العالم لم يكن يليق بكِ.
وهناك ايضا …
أبٌ رحل باكرًا المرحوم محمد علي فواز، لكنه ترك في كل واحدةٍ منهنّ وصيّة…
تعبه، عرقه، كفاحه، كبرياؤه…
زرع فيهنّ حبّ العبّاسية، فكبرن وهنّ يحملنها في قلوبهنّ… حتى الشهادة.
وأمّ… خديجة جعفر…
يا سيّدة الصبر…
يا مَن حاربتِ الفقر والزمن، وربّيتِ اليتامى بكرامة…
كبروا أمام عينيكِ… ثم رحلتِ…
لكنهم لحقوا بكِ شهداء…
كأن العائلة كلّها كانت على موعدٍ مع السماء.
الشهيد عباس…
شابٌ كتب اسمه بالفعل قبل الحرف…
فدى لبنان بدمه، ووقف في وجه الإرهابيين التكفيريين بثبات من يعرف طريقه…
لم يكن مقاتلًا فقط… بل كان سندًا لعائلته، ومعيلًا يحمل همّهم كما يحمل سلاحه…
كان يعمل حين لا يكون في الخدمة، يكدّ بيديه ليصون كرامة البيت…
التزم خطّ المحرومين في حركة امل، وسار عليه بصدقٍ لا يعرف المساومة…
مثالًا للمضحي، حاضرًا حيث يجب أن يكون الرجال…
رحل واقفًا… كما عاش واقفًا…
وترك خلفه سيرةً لا تُمحى، وأثرًا يُشبه الوطن حين يُدافع عن نفسه
أيّها العالم…
هذه ليست مجزرة…
هذا امتحانٌ للإنسانية… وسقوطٌ مدوٍّ لها.
أيّها الصمت الدولي…
كم من الدم تحتاج لتفهم أن العبّاسية لا تُهزم؟
كم من الشهداء لتدرك أن هذه الأرض لا تُكسر؟
من “صوت العبّاسية”…
لا نعزّي… لأن الكلمات تخجل أمام هذا الدم…
ولا نواسي… لأن الوجع أكبر من المواساة…
نقولها كما هي، بلا تزيين:
العبّاسية تُذبح… والعالم يتفرّج.
لكن…
كما في كل مرة…
سيخيب الموت.
وسينهض الدم.
وتنتصر الحياة.
رحم الله شهداء العبّاسية…
وأسكنهم فسيح جنّاته…
والشفاء العاجل للجرحى:
عقيل… عبير… دعاء حريري… وحوراء شعلان…
ولتبقَ العبّاسية…
كما كانت دائمًا…
دمٌ لا يُهزم.
موقع بلدتي

