زيتنون معرض للفنان المبدع ناصر عجمي في بلدة العباسية بين الركام والحياة

حسين علي قعيق / موقع بلدتي

في رسالة تحدي وصمود، ومشهدٍ مفعم بالرمزية والأمل، افتتح الفنان التشكيلي ابن بلدة الجنوب العباسية ناصر عجمي معرضه الفني بعنوان “زيتون”، على أنقاض منزل والديه المدمّر جرّاء العدوان الإسرائيلي الأخير على بلدة العباسية، ليحوّل الركام إلى مساحة حياة وإبداع.

المعرض، الذي أقيم برعاية وزير الثقافة ممثّلًا بالفنان التشكيلي أحمد خليفة، شكّل موقفًا فنيًا ووطنيًا ، تُجسّد صمود الإنسان أمام آلة الحرب، وقدرة الفن على انتزاع الجمال من قلب الألم.

حضر حفل الافتتاح كل من: وزير الثقافة السابق محمد داوود، رئيس بلدية العباسية الدكتور حبيب عجمي، نائب الرئيس الأستاذ خليل حمود، إلى جانب الدكتور نادر عجمي والدكتور طاهر فردون، وأعضاء من المجلس البلدي ومخاتير البلدة وجمعياتها الثقافية والاجتماعية والأحزاب ، وحشد كبير من الفنانين والفعاليات الثقافية والطبية والاجتماعية، ورؤساء بلديات ومخاتير ووجوه فاعلة في الحياة العامة. وأهالي البلدة.

شدّد الفنان ناصر عجمي على أنّ المعرض هو بمثابة شهادة حيّة على جريمة الاحتلال بحق الحجر والبشر، وفي الوقت نفسه إصرار على الحياة والتجذّر في الأرض، حيث يرمز الزيتون في لوحاته إلى السلام والهوية والذاكرة.

هكذا، تحوّل المكان الذي حاول العدوان طمسه إلى منبر للإبداع والذاكرة، ليبقى الزيتون شاهدًا على وجع العباسية، ورمزًا لصمودها المتجذّر في التاريخ والجغرافيا

صرخة في وجه الحرب

“زيتون” ليس مجرد معرض فني، بل هو صرخة في وجه الحرب وتجسيد لذاكرة مثقلة بالمجازر ومحاولات الاقتلاع، يقول عجمي: “كنت أتهيأ منذ زمن لإنجاز مجموعة من اللوحات، لكن الحرب أخَّرت التجربة، ومع تكرار سؤال الأصدقاء لي عن سبب عدم التعبير بالرسم عمّا يحدث، شعرت أنني ممتلئ بالأفكار ولا أجد طريقة لترجمتها، حتى رأيت صور المجازر في غزة والأكفان البيضاء، عندها أدركت أن هذه الأرواح تُزهق من أجل الأرض، فحوَّلت الكفن في لوحاتي إلى أرض وزيتون وصبّير، وغطَّيته بالكوفية التي تمثل القيم الأخلاقية والحرية والحق في العودة”.   من الحرب إلى اللوحة… معرض “زيتون” في منزل مهدم بالجنوب اللبناني.   تطورت الفكرة لاحقًا لتصبح شجرة الزيتون محورًا للعمل، إذ يعتبر عجمي أن الزيتون يرمز إلى عمق الانتماء للأرض والجذور التاريخية، في مواجهة محاولات الاقتلاع المستمرة.      وأضاف: “الحرب تعيد فتح دفاتر قديمة نحاول إغلاقها، لكنها تُرجع إلى الذاكرة محطات موجعة من تاريخنا، كتدمير بيروت، الذي يشبه اليوم دمار غزة. ومع ذلك، لم تُرفع الرايات البيضاء آنذاك، وكما تحررت بيروت ستتحرر غزة”.

شاهد على الصمود

عن اختياره للركام مكانًا للمعرض، أوضح عجمي أن “المنزل الذي يزيد عمره على مئة عام تعرَّض للتدمير والترميم أكثر من مرة منذ اجتياح 1978، مرورًا بحرب 2006، وصولًا إلى العدوان الأخير، ليبقى شاهدًا على الصمود”. وختم: “أردت أن أقول من هنا إننا باقون، وأن الفرح يمكن أن يولد من قلب الدمار”.

من جهته، قال الفنان أحمد خليفة، ممثل وزارة الثقافة اللبنانية: “جمالية هذا المعرض تكمن في مكانه قبل أي شيء آخر. ناصر لم يختر قاعة فنية أو صالة عرض، بل اختار أن يقيم معرضه وسط أنقاض منزله الذي حوَّلته إسرائيل إلى ركام. هنا، بين الحجارة المهدمة، ارتفعت اللوحات كأشجار زيتون جديدة”.

وأضاف: “الرمزية كبيرة، الزيتون رمز الثبات والوجود، وهو اليوم يُسقى بدماء الشهداء بدل الماء، ليعصر فنًا وثقافة وذاكرة ووجودًا. هذه اللوحات ليست مجرد ألوان على قماش، إنها صرخة ضد الحرب، شهادة على البقاء، ودليل على أن الفن قادر على أن يكون أقوى من الرصاص”.

أما الممثل والمخرج علي كلش، فقال: “في بعض الأحيان، لا تكفي الكلمات للتعبير عن الألم والذاكرة، فتأتي ريشة الفنان لتقول ما يعجز اللسان عن قوله. هذا المكان الذي نقف فيه اليوم ليس مجرد منزل مدمَّر، بل هو شاهد على همجية حاولت أن تقتل الروح في الجنوب، لكن يد ناصر استطاعت أن تعيد لهذه الجدران نبضًا جديدًا، أن تحوِّل الخراب إلى حياة”.

الزيتون الذي اختاره عنوانًا لمعرضه هو أكثر من رمز، هو تاريخ طويل من الجذور التي لا تنفصل عن الأرض. عندما نرى هذه اللوحات، ندرك أن الفن قادر على أن يكون امتدادًا للمقاومة، وأن الريشة يمكن أن تقف في وجه البندقية. ناصر أراد أن يقول لنا إن علاقتنا بالأرض لا تُقطع، وإن جذورنا أعمق من أن تُقتلع، مهما اشتدت العواصف.

هكذا، ومن قلب الركام وذاكرة الحروب، وُلد “زيتون” ليكون أكثر من معرض فني، إنه فعل حياة في مواجهة الموت، وصوت للأرض. بين اللوحات التي عُلِّقت على جدران مهدَّمة، وبين جذور الزيتون الممتدة في التاريخ، يؤكد ناصر عجمي أن “الفن ليس ترفًا، بل مقاومة وذاكرة وهوية. وفي العباسية، كما في كل الجنوب، يبقى الزيتون شاهدًا على أن ما يُزرع في الأرض لا يُقتلع، وما يُخطّ بريشة مغموسة بالوجع والأمل لا يزول”.

واستمر المعرض ليومين وسط الاعجاب والتميز والإبداع الذي رافق الجميع