الخميس 5 كانون الأول 2019


إبقوا على تواصل





طقسنا اليوم




أقلامكم

قصّتان وغصّة «للسّلطة والحَراك»! د. محمّد حمّود.


 

  

كتبْت قصّتين قصيرتين، قصّة منذ سنتين، والثانية منذ ما يناهز العام! القصّة الأولى لفتاة صغيرة، لا تتجاوز السادسة عشرة من العمر، لفتت انتباه إحدى زميلاتها في المدرسة، فهي تبقى في غرفة الصف تحت حجّة الدرس أو نسخ الدروس! عندما تكرّر هذا المشهد، حاولت صديقتها أن تأخذ منها اعترافا! بعد إلحاح علمت الصّديقة الجواب اليقين: الفتاة من عائلة فقيرة جدًّا، لا يستطيع الوالد تأمين قوت عياله، وهي تحصل على مبلغ «500ليرة» لكلّ يومين، فهي تحتاج إلى ثلاثة أيام لكي تجمع 1000ليرة، وتستطيع من خلالها أن تنزل وزميلاتها إلى الملعب أثناء الفرصة لتشتري ما يساعدها على المكوث مع رفيقاتها، ولو كانت« منقوشة من الصعتر»! عندما حدّثتني صديقتها، قابلت الفتاة وسمعت منها ما يُوجع، وما يُرعب، وعندما قمت بزيارة العائلة، تفاجأت بابتسامة الوالد والوالدة، تفاجأت بمشهديّة قاتلة،،، من هذه القدرة على الصّمود. كان الحديث بيننا أشبه بحوار غير متكافئ، كنت حينها الحلقة الأضعف، ولكنني كنت المستفيد الأوّل! تركت بي هذه الحادثة أثرًا لم أستطع تدوينه كاملًا إلى الآن!!

  

 في القصّة الثانية، وبوصفي إداريًّا في المنتدى الثقافي العباسية، والذي يقوم بإفطارات شعبيّة في بلدة يمتلك أهلها ومغتربوها الباع الكبير في عمل الخير والعطاء، وهي بلدة قد توازي المدينة وأكثر من باب المساحة وعدد السكان والقوة الاقتصاديّة! ذكرْت القصة المقتضَبة على وسائل التواصل الاجتماعي، وحينها تواصل معي العشرات من الميسورين وغير الميسورين ومن الشباب الصّغار والكبار، الفقراء والأغنياء، ليساهموا في سدّ رمق هذه العائلة التي لم تقبل عطاء ولو أنّها قبلت حياء من كثرة إلحاحي، وبسريّة مطلقة! شاهدْت بعد الانتهاء من «الافطار» رجلا وامرأة يضعان ما تبقى من الطعام في« حمّالة من النايلون»، وضعا فيه ما استطاعا من الأرزّ والمعجنات والفواكه! الصّدمة كانت عندما قالت المرأة للرجل : منذ أشهر لم نذق طعم الفاكهة، وهذا الأرزّ  يجب أن يكفينا ليومين! لقد ملّ أبناؤنا الافطار على «البيض المقلي والبطاطا، وحتى منقوشة الصّعتر التي تبقى من السحور الى الافطار، في كان لدينا القدرة على السحور اليوميّ. أعرف هذه العائلة، وبيني وبينهم حميميّة خاصّة، ولديّ القدرة على الدخول إلى منزلهم، والذي زرته لمرّتين اثنتين من دون أن أدخل، لأدعوها وبكلّ محبّة على الإفطار السنويّ « من دون إعلام ولا تصوير..»...بعد ثلاثة أيام قمت بزيارتهم قبل موعد الافطار بدقائق! أعجز عن الوصف! وصف مائدة الطعام! أم وصف الكوخ! أم وصف الأثاث ووو! وبجماليّة القلوب الصافية والقناعة الملفتة، والسموّ الذي لا يقف عند مال! تمّت دعوتي إلى الإفطار الذي يتألّف من « بيض مقلي»« حبّة بندورة كبيرة » « بصلة» «وعلبة حمص» وما تبقى من« كسرات خبز »، وعائلة تتألّف من أربعة إلى ثمانية أفراد (أوردت العدديم مخافة أن تُعرف العائلة). في حديثي معهم، أقسَموا أنهم لا يملكون ثمن ربطة خبز، وأنّ الوالد العامل، لا يترك وسيلة إلّا ويحاول أن يعمل! ولكن! هذا ما يستطيعه!

  

في القصة الأولى تتابع العائلة وجعها في الحياة، تناضل وتكافح تحت خطّ الفقر، وفي كلّ يوم يزداد الأنين ويزداد الصبر!

  

 وفي القصّة الثانية حاولَت العائلة التي كبُر بعض أفرادها أن يساعدوا الوالد ولو بالنّزر اليسير من الكفاف، على الرغم من مرارة العيش! أظنّ بأنّ عائلات كثيرة تعيش ألَم هكذا حياة، وهكذا عمر وبؤس،،، في وطن قاتل!

  

ولكن!  حبّذا لو خفّف البعض من الرقص على جثة ذاك الرجل العرساليّ المظلوم الذي انتحر من حرقة قلب، وبسبب لقمة جوع وكرامة! وحبّذا لو خفّف المطبّلون من الغناء في جنازته وقد ظلَم نفسه وعائلته من دون عمد، وهو المظلوم في وطن أتقن حكّامه اللعب على وتر الشعب الضعيف،،، فعمّ النّهب، وعمّ السلب، وشاع الثراء على حساب الفقراء،،،حبّذا لو دفع ما يُسمى «الحَراك» من الملايين التي يصرفها يوميًّا للعائلات الفقيرة،،،فلم نرَ سوى البذخ والترف والطنين والرنين وزجاجات الخمر المعتّقة والأعراس والأفراح والولائم والغنائم ...ومن ثمّ يتباكون على رجل مات انتحارًا في وطن نام أهل السّلطة في العسل وأهل من الحَراك على أمل الحلوس على الكراسي باسم الضحيّة، فوجدوه مادّة مؤقّتة لرصّ الصفوف! في حراككم كما في السّلطة الفاسدة، وجهان لعملة واحدة،،، وجه السلطة الصدئ، ووجه آخر يسير في الطريق إلى الصّدَأ! كفى متاجرة بالفقراء! دعوهم يرتاحون، من دونكم وجعهم أفضل! بقلم  د.محمد حمّود


عودة الى القائمة
ان اي موضوع او تعليق ينشر عبر صفحتنا ليس بالضرورة يعبر عن سياستنا او راينا او موافقتنا عليه انما يعبر عن رأي ناشره وحرية الرأي
الإسم:  *    
البريد الإلكتروني:  *  لن يتم عرض محتوى هذا الحقل في الموقع;  
التعليق:  *